صفي الرحمان مباركفوري

417

الرحيق المختوم

عليهم السلام أسلموا وحسن إسلامهم ، وقال رسول اللّه صلى اللّه عليه وسلم عن زيد : ما ذكر لي رجل من لعرب بفضل ، ثم جاءني إلا رأيته دون ما يقال فيه ، إلا زيد الخيل فإنه لم يبلغ كل ما فيه ، وسماه زيد الخير . وهكذا تتابعت الوفود إلى المدينة في سنتي تسع وعشر ، وقد ذكر أهل المغازي والسير منها وفود أهل اليمن ، والأزد وبني سعد هذيم من قضاعة ، وبني عامر بن قيس ، وبني أسد ، وبهراء ، وخولان ، ومحارب ، وبني الحارث بن كعب ، وغامد ، وبني المنتفق ، وسلامان ، وبني عبس ، ومزينة ، ومراد ، وزبيد ، وكندة ، وذي مرة ، وغسان ، وبني عيش ، ونخع - وهو آخر الوفود ، توافد في منتصف محرم سنة 11 ه في مائتي رجل - وكانت وفادة الأغلبية من هذه الوفود سنة 9 و 10 ه ، وقد تأخرت وفادة بعضها إلى سنة 11 ه . وتتابع هذه الوفود يدل على مدى ما نالت الدعوة الإسلامية من القبول التام ، وبسط السيطرة والنفوذ على أنحاء جزيرة العرب وأرجائها ، وأن العرب كانت تنظر إلى المدينة بنظر التقدير والإجلال ، حتى لم تكن ترى محيصا عن الاستسلام أمامها ، فقد صارت المدينة عاصمة لجزيرة العرب ، لا يمكن صرف النظر عنها ، إلا أننا لا يمكن لنا القول بأن الدين قد تمكن من أنفس هؤلاء بأسرهم ؛ لأنه كان وسطهم كثير من الأعراب الجفاة الذين أسلموا تبعا لسادتهم ، ولم تكن أنفسهم قد خلصت بعد ما تأصل فيها من الميل إلى الغارات ، ولم تكن تعاليم الإسلام قد هذبت أنفسهم تمام التهذيب ، وقد وصف القرآن بعضهم بقوله في سورة التوبة : الْأَعْرابُ أَشَدُّ كُفْراً وَنِفاقاً وَأَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا حُدُودَ ما أَنْزَلَ اللَّهُ عَلى رَسُولِهِ ، وَاللَّهُ عَلِيمٌ حَكِيمٌ . وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ مَغْرَماً وَيَتَرَبَّصُ بِكُمُ الدَّوائِرَ ، عَلَيْهِمْ دائِرَةُ السَّوْءِ . وَاللَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ [ التوبة : 97 ، 98 ] وأثنى على آخرين منهم فقال : وَمِنَ الْأَعْرابِ مَنْ يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ ، وَيَتَّخِذُ ما يُنْفِقُ قُرُباتٍ عِنْدَ اللَّهِ وَصَلَواتِ الرَّسُولِ ، أَلا إِنَّها قُرْبَةٌ لَهُمْ ، سَيُدْخِلُهُمُ اللَّهُ فِي رَحْمَتِهِ ، إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ [ التوبة : 99 ] . أما الحاضرون منهم في مكة والمدينة وثقيف ، وكثير من اليمن والبحرين ؛ فقد كان الإسلام فيهم قويا ، ومنهم كبار الصحابة وسادات المسلمين « 1 » .

--> ( 1 ) كلمة للخضري في محاضرات تاريخ الأمم الإسلامية 1 / 144 . وانظر في تفاصيل الوفود إلى ذكرناها أو أشرنا إليها ، صحيح البخاري 1 / 13 ، 2 / 626 ، 627 ، 628 ، 629 ، 630 ، وابن هشام 2 / 501 ، 502 ، 503 ، 510 ، 511 ، 512 ، 513 ، 514 ، 537 ، 538 ، 539 ، 540 ، 541 ، 542 ، 560 إلى 601 ، وزاد المعاد 3 / 26 إلى 60 ، وفتح الباري 8 / 83 إلى 103 ورحمة للعالمين 1 / 184 إلى 217 .